أخطاء الملك آرثر

بقلم:

تقول الأسطورة أنه في زمان بعيد (القرن الثاني عشر تقريباً) وفي إنجلترا وتحديداً في بلاطها الملكي المدعو “كاميلوت” كان الملك أُوثر بيندراجون يحكم البلاط في وقت عصيب مليء بالحروب والمؤمرات. ما حدث أن الملك رُزق بصبي سماه “أرثر” في وقت بلغت المشاكل والقلاقل حول الحكم ذروتها. هنا تقدم ساحر البلاط  الأمين “ميرلين” ونصح الملك أن لا يعلن نبأ ولادة ابنه وأنه من الأفضل أن يرسل المولود الحديث لمكان آمن خوفاً على حياة الرضيع وهو ما فعله الملك أُوثر. وفعلاً، حدث ما خشاه الساحر ميرلين ومات الملك ونشأ خلاف عظيم عن من يرث العرش.

ميرلين الساحر ومن منطلق الحفاظ على العرش قام وباستخدام أقصى قواه السحرية بغرس سيف وسط صخرة كبيرة ونقش عليه بحروف ذهبية عبارة “من يسحب هذا السيف يصبح حاكم البلاط.” وقام باطلاق اسم “إكساكاليبور Excalibur” على السيف. بالطبع ومن نافلة القول أن مفعول السحر على السيف لا يعمل إلا مع شخص واحد وهو الوريث الحقيقي للعرش.من يومها تقاتل الشباب والرجال والنبلاء على فرص سحب السيف طمعاً في العرش ولكن وكما هو متوقع فشل الجميع. وكانت النتيجة أن هُجر السيف لمدة طويلة لدرجة النسيان ومرت السنين وحكم فيها الساكسونيين أعداء إنجلترا البلاد.

توالت الأحداث وعرف الساحر ميرلين مكان الشاب “آرثر” ورتب له موعد مع السيف ليسحبه آرثرر ويعلن أنه الوريث الحقيقي للعرش ومن ثم يؤسس عصبة فرسان حاربوا معه الساكسونيين حتى طردوهم من البلاد وأستعاد آرثر عرشه وأسس مجموعة فرسان الطاولة المستديرة مع أتباعه المخلصين.

السطور أعلاه هي اختصار مختصر لأسطورة الملك آرثر.

الان ننتقل للعام 1963، حيث رجل الأعمال الناجح جداً “والت ديزني” والذي قرر أن لا يدع أسطورة كهذه تفلت من معامله، وعليه أنتج فيلم كرتوني أسماه “السيف في الحجر The Sword in the Stone”

الفيلم عالج وبإمتياز الأسطورة الشهيرة في قالب “ديزني” ناجح ولم يحيد عنها إلا قليلا. قدم قصة الاسطورة بقالب ممتع وشيق مع تصميم شخصيات جميل وقصة أجمل والنتيجة ترشح الفيلم لجائزة الأوسكار في فئة الموسيقى. الجدير بالذكر أن الفيلم كان أخر انتاج لوالت ديزني قبل وفاته والحق يقال أنه يُعتبر أحد كلاسيكيات “ديزني”.

توالت العديد من الأفلام التي عالجت هذه الأسطورة، منها ما حكاها كما هي ومنها ما اقتبس منها، نذكر من هذه القائمة على سبيل المثال:

  • فيلم Excalibur البريطاني المنتج عام 1981
  • فيلم الملك آرثر المنتج عام 2004
  • فيلم Shrek the Third عام 2007
  • فيلم تلميذ الساحر The Sorcerer’s Apprentice عام 2010
  • وأخيراً – في قائمتنا – الفيلم المنتج عام 2017:

الملك آرثر: أسطورة السيف King Arthur: Legend of the Sword

من إخراج البريطاني صاحب اللمسة المميزة جاي ريتشي Guy Ritchie والذي قدم الثلاثية الرائعة لقصص العصابات والعالم السفلي البريطاني والتي شملت الفيلم الممتاز Snatch. ريتشي أراد أن يخرج من نمط أفلام العصابات وقدم لنا جزئين من قصص المخبر الفذ شيرلوك هولمز. بعدها قرر خوض تجربة جديدة وقدم لنا فيلم Man from U.N.C.L.E والمقتبس من مسلسل من الستينات وبنفس الاسم.

السطور أعلاه ما هي إلا تسليط للضوء على تاريخ المخرج ريتشي بشكل مبسط الذي بدا جلياً أنه يعاني من فقر  إبداعي مؤخراً والدليل توجهه إلى الأعمال ذات القوالب المعروفة.

الفيلم يبدأ بالمعركة الملحمية بين الملك أُوثر (إريك بانا Eric Bana) وجيش الساحر “موردريد”، وفي بداية واضح أنها موفقة، حيث تلعب المؤثرات دور كبير في جعل المشاهد يندمج مع الأحداث التي توعد بفيلم سينمائي فخم. بعد نهاية المعركة مباشرة يوجهنا المخرج لنتعرف على أفراد العائلة الملكية وعلى رأسهم أخو الملك أُوثر، الأمير “فورتيجرن Vortigern” (جود لو Jude Law). بالطبع وإتباعاً للأسطورة الأصلية نتعرف على الصبي آرثر ونمشي مع أحداث الفيلم حتى نراه شاباً يافعاً (Charlie Hunnam) ومن ثم طريقة وصوله للسيف وكيفية التخطيط لإستعادة عرشه.

بالطبع لن نتطرق لأحداث الفيلم مراعاةً لمن لم يشاهده لكن ما سنذكره هنا هو رأي أو بالأحرى مراجعة شخصية عن الفيلم.

ومنها سنعرف أين أخطاء الملك آرثر – وهو عنوان مقالنا في حال نسيتم – والبداية نستهلها بالتمثيل والذي كان مجملاً في الفيلم  عادي. حتى ممثل مشهود له مثل جود لو كان أداءه في الفيلم عادي لدرجة يعتقد المشاهد معها أنه “مغصوب” على الفيلم! ومع أن التمثيل مرتكز على قصة شعبية معروفة إلا أن المخرج فشل في جعل أي من شخصيات الفيلم يعلق بذاكرة المشاهد ما سيؤدي بدوره إلى نسيان تام للشخصية فما بالك بالأحداث التي بدورها تصبح منسية مع التقدم في المشاهدة.

الحوارات، لطالما اشتهر ريتشي بتدرجه في الحوارات وتجسيد الأحداث السينمائية بطريقة أبدع فيها والتي تتجلى في تدوير الحوارات بين شخصيات أفلامه مع دمجها بالأحداث التي تتكلم عنها الشخصيات. وبرع في هذه الأمر مع جزئي أفلام شيرلوك بالذات، لكن في فيلم الملك آرثر أفرط في استخدام هذه الخاصية لدرجة تكرار لا يخلو من إملال! نقطة أخرى متعلقة بالحوارات وأيضاً تميز بها ريتشي، الكوميديا. لطالما كانت حوارات ريتشي غنية بالكوميديا الذكية، من شاهد فيلم Snatch سيتذكر على الفور الحوارات الذكية التي تحمل في طياتها كوميديا مبطنة مضحكة. أما من لم يشاهده؛ ننصحه بمشاهدته فوراً.

نعود للفيلم، حاول المخرج بشتى الطرق بث الكوميديا في العمل ولكنه أخفق في ذلك والسبب أنه جعلها تتركز فقط حول الشاب آرثر وحواراته ولكن التمثيل العادي للبطل جعلها تخرج بشكل باهت، أضف لهذا عدم وجود شخصيات مساعدة ترفع من قيمة الحوار الكوميدي، الأمر الذي أضعف المحصلة ، والنتيجة الكوميديا في الفيلم موجودة ولكنها لا تشفع له البتة.

القصة؛ مع أنها مرتكزة كما أسلفنا على أسطورة محبوبة لكن يُحسب للمخرج أنه غير من معالمها وذلك لإعطائها بصمته الخاصة. مثال بسيط على ذلك في اختلاق الحرب بين جيش الساحر وبين الملك أُوثر، إيجاد دور لشعوب الفايكنج في عهد الملك آرثر، ابتكار شخصية ساحرة كانت تلميذة الساحر مرلين والتي كان لها بصمة في أحداث  الفيلم، أضف لهذا التطرق لنشأة آرثر الصغير التي تُعتبر جديدة تماماً على القصة. لكن للأسف المحصلة النهائية كانت قصة ضعيفة ينساها المشاهد بسرعة لفقر الأحداث وتسارعها بشكل أدى إلى الإحساس بوجود فجوة في الأحداث بين نصفي الفيلم.

المؤثرات، ممتازة وتم توظيفها بالشكل السليم خاصةً مع لمسات المخرج في استخدام خاصية الحركة البطيئة أو Slow Motion. لكن تحفظي الشخصي هنا أن جاي ريتشي مخرج مبدع لدرجة أنه لا يحتاج أن يبهرنا بالمؤثرات ليبين لنا فنه في الاخراج السينمائي. أي نعم ممتازة المؤثرات كما أسلفنا لكنها لا تضيف إلى رصيد المخرج في استخدامها! بل أي مخرج حالياً في هولييوود يمكنه عمل مثلها بالضبط في في حال توفرت لها السبل لذلك. النتيجة أن المؤثرات كانت رائعة لكنها فشلت في جعل الفيلم يرتقي لمصاف النجاح.

الاخراج؛ جاي ريتشي يُعتبر مدرسة في الاخراج السينمائي ولا يحتاج لناقد كي ينقده. قد يكون الفيلم غير كامل من نواحي كثيرة خذلت المخرج لكن يظل متميز بالاخراج المتقن الذي طالما اشتهر به.

الايجابية التي تجلت والتصقت بذاكرتي كمشاهد كانت الموسيقى التصويرية. إذ أبدع الموسيقار الانجليزي دانيل بيمبرتون Daniel Pemberton في صياغة موسيقى تصويرية ملائمة لأجواء الفيلم ومناسبة للحقبة الزمنية مع تصميم تميمة أو Theme لكل مشهد سواءً كان قتالي، عاطفي أو حتى كوميدي. من موسيقى مستوحاة من الفلكلور الايرلندي القديم الذي التصق بمسرحيات الشعر التي تغنى فيها القرويون البريطانيون عن بطولات ملوكهم نجح دانيال في تلحينها بالفيلم ليجعلها الافضل فيه.

المحصلة أن فيلم عن أسطورة الملك آرثر وسيفه كان من المفترض به أن يكون من نوعية الـ Blockbuster وهي صفة الأفلام التي تعرض في السينما غالباً في بداية فترة الصيف والمطلوب منها جني أرباح هائلة. ولكن للأسف الفيلم أصبح lacklustre أو بتعبير السينمائيين box office bomb أي بمعنى لم ينجح الفيلم بتحقيق المأمول منه.

ختاماً، هو فيلم ليس بممتاز،

ولا حتى جيد جداً.

وربما يكون جيد لدى البعض.

لكنه لا يستحق تخصيص وقت لمشاهدته في ظل وجود أفلام أفضل، لكنه حتماً – في حال مشاهدته – سيُعتبر مقبول إلى حدٍ ما.

بواسطة | 2017-07-04T21:26:50+00:00 يوليو 3rd, 2017|مقالات الأفلام, أفلام|تعليق واحد

تعليق واحد

  1. بدر الناصر 4 يوليو، 2017 at 9:28 م

    بصراحة كنت متحمس جداً لمشاهدة الفلم ، خصوصا ان فيه اريك بانا وجود لو واخراج ريتشي، ولكن للاسف النقد افقدني الكثير من الحماس، ولا احتاج ان اشاهد فلم متوسط ، خصوصاً لكثرة المسلسلات الجيدة حاليا.
    شكرا لك علي التقييم الرائع والشرج الجميل للفلم.
    تحياتي

اترك تعليق