أهرب من العنصرية!

بقلم:

لا شك أن العنصرية مقيتة. ولا شك أن أول ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر كلمة عنصرية هو معاناة السود مع الرجل الأبيض! البشر القادمون من قلب قارة أفريقيا لغرض العبودية للرجل الأبيض ليس إلا. من شاهد الفيلم التاريخي الدرامي والممتاز Amistad ستقرب له الصورة أكثر عن كيفية كان التعامل مع الأفارقة. أمسيتاد لم يكن الفيلم الوحيد المعالج لهذه القضية. هناك عدة أفلام والحق يقال انه سينمائية وذات جودة؛ أفلام مثل:

  • المجد Glory
  • لينكون Lincoln والذي يحاكي قصة الرئيس الأمريكي والداعم لقضايا الأمريكان ذوي الأصول الافريقية
  • Django Unchained للمتميز كوينتين ترانتينو

وهناك غيرها الكثير لكن – كما ذكرنا – الأسماء أعلاه تتميز بجودة سينمائية. والمشترك فيها انها تطرقت لقضية العنصرية من منظور واحد ألا وهو التعامل المرتكز على لون البشرة.

وعلى حسب علمي لم يتطرق أحد سينمائياً إلى منظور أخر حتى جاء فيلم Get Out أو أهرب!

الفيلم من كتابة وإخراج جوردان بيليي Jordan Peele  والمشهور عنه أنه أحد أشهر نجوم الكوميديا على منصة اليوتيوب وعليها عرض Sketches كوميدية تميزت بالابتكار والجودة. ما حدث أن جوردان قام وبخطوة جريئة بكتابة فيلم بعيد كل البعد عن الكوميديا وقام بإخراجه وأسماه “أهرب أو Get Out”.

الدافع لي لمشاهدة الفيلم كانت الدعاية الكلامية الكثيرة والتسويق الصحفي أو الـ propaganda  التي حصل عليها الفيلم من الجهور والنقاد على حدٍ سواء. وبلا مبالغة قد يكون أكثر الافلام التي حصلت على تسويق شفوي مؤخراً.

بعد قرار مشاهدة الفيلم، حدث أنه بدأ ثم انتهى. وكانت النتيجة فيلم سينمائي فخم!

فيه قصةٌ تروى وحبكة أحداث وشخصيات ذات دوافع وأخيراً وليس أخراً منعطف في الفيلم أو Twist (هذه أقرب لفظة عربية تحدد المعنى) جعلت منه فيلم دسم.

 

الفيلم يبدأ مع مشهد اختطاف لشاب أسود وفي هذا ايحاء عنصري بعض الشيء. لكن البداية الفعلية ومن المشهد الأول الفيلم ينطق بالعنصرية. فتاة بيضاء جميلة لديها صديق أسود. الاثنان يخططان لزيارة والدي الفتاة في منطقة ريفية حيث الأهالي هناك ما زالت نزعة العنصرية مشتعلة لديهم. وهذا ما يدفع الشاب أن يسأل الفتاة “هل يعلمان أبواك أنني أسود؟!”

مع تتابع الأحداث، تكتشف أن المخرج تألق في عدد من النقاط والتي جعلت من الفيلم يستحق الثناء. أولها أنه لم يسلط الضوء على عامل العنصرية بالشكل المألوف؛ بل العكس تماماً؛ الاشخاص البيض يتعاملون مع السود بشكل طبيعي إلى حد الدفاع أحياناً مما يجعل بطل الفيلم يرتاح تماماً بينما المشاهد – وهنا العبقرية تكمن – يتكون لديه إحساس بالغرابة أو بتعبير أعجمي Creepy!

حيث نشاهد الفتاة البيضاء تتخذ موقف دفاعي لصالح صديقها الأسود عندما سأل أحد رجال الأمن وبخشونة عن أوراق اثبات صديقها الأسود فما كان منها إلا أن عاملت الشرطي الأبيض بوقاحة، ونشاهد كيف يمتدح أبو الفتاة الأبيض القدرة الرياضية لدى الرجل الأسود، ونشاهد أيضاً اهتمام العالي من قبل أبوي الفتاة لخدمِهم السود، وهناك طرح ذكي عابر في طريقة تعامل أهل المنطقة الريفية مع السود بلطف.

لنتوقف قليلاً ونأخذ درس اجتماعي:

  • في وسط القرن الثامن عشر، انتشر مصطلح Black Buck وهي في الأساس تعود لنوع من أنواع حيوان الظبي لكن المصطلح أُستخدم ككنية للرجل الأسود الذي يرفض الانصياع للأوامر الصادرة من الرجل الأبيض.
  • وهناك مصطلح آخر ألا وهو Pick Cotton أو الذي يقطف القطن، وهو مصطلح كان يطلق على السود إبان الحرب الأهلية حيث كان العمال السؤولين عن قطف القطن من المزارع هم السود. وكانوا غالبية العمالة لا يأخذون أجر نظير عملهم في مزراع القطن؛ إنما يقال لهم “اقطفوا أكبر عدد من القطن لتصبحوا بعدها أحرار!”

هنا نعود للفيلم، والنقطة الثانية تحديداً. حيث المخرج ووبراعة تامة وظف المصطلحين أعلاه في الفيلم أفضل توظيف حيث صاغ الأحداث بإتقان ومن خلال منظوره لجعل كل مصطلح يعبر بالضبط عن معناه وبرسالة مبطنة عن مدى تأثير هذان المصطلحان على السود والنتيجة مشهدين خدمت القصة وكان لها بصمتها في الفيلم.

النقطة الأخيرة تتعلق بإخراج الفيلم، حيث الفيلم عبارة عن تجسيد لفكرة رجل واحد من دون تدخل أو تعديل من قِبل أي طرف أخر سواءً كان منتج أو شركة أو حتى جهة رقابية. وأكثر ما يتضح لنا هذا الشيء في كيفية تجسيد حالة اللاوعي في الفيلم والتي برع المخرج في تجسيد مشهد ممتاز يصف الوضع بطريقة مبتكرة وسهلة للغاية عكس الافلام التي تتطلب مؤثرات وصوتيات التي قد تغطي على الفكرة ومن ثم يضيع المشهد. هناك أيضاً الاستخدام للغة والعنف والرموز المخفية ببراعة أو ما يسمى بالـ Easter Eggs والتي كانت كلها وليدة رؤية الكاتب والمخرج لوحده بلا تدخل وهذا في حد ذاته يعطي مساحة للحرية في التعبير عن الأراء وخروج الرسالة في العمل الفني بلا فلترة ولنا في أفلام كونتين تارانتينو خير مثال .

الفيلم يقع تحت تصنيف الرعب والغموض، ولكن في الواقع الرعب في الفيلم قليل جداً. ويرتكز أكثر على الغموض والتشويق مع القليل جداً جداً من الخيال العلمي الطبي!

حيث تتطرق القصة لهذا المجال وبشكل متقن يخدم الأحداث وبشكل منطقي. وفي الواقع يذكرني هذا التطرق بقصص الأمريكي الراحل مايكل كرايتون Michael Crichton، إذ قدم لنا هذا العملاق أعمال خيال علمي حقيقي وليس خيال الفضاء وحروب السفن بالليزر والبشر بالسيوف المضيئة!

إنما كانت قصصه كلها تتمحور حول تجارب طبية، على سبيل المثال لا الحصر: التجارب البيولوجية في Jurassic Park، السفر عبر الزمن في Timeline، والأشهر حالياً Westworld الذي يتبحر في مجال السِبرانية.

في فيلم Get Out القليل جداً من لمسات لخيال العلمي الطبي وبشكل متقن يخدم الأحداث وبشكل منطقي.

ختاماً، سم هذه الزاواية ما شئت؛ توصيات كشكول السينمائية، شاهدت لك، أو حتى ماذا أشاهد؟

المهم أننا سنكتب لك عن فيلم سينمائي جدير بوقتك.

وفيلمنا هذا يُعد أحد أفضل ما شاهدت في مؤخراً. ويندرج وبلا نقاش من ضمن أفضل الأفلام “السينمائية الحقيقية” في أخر 5 سنوات –وهي قليلة جداً بالمناسبة – ويستحق المشاهدة لمن لم يشاهده.

أما من شاهده فليذهب وليبحث عن الـ Easter Eggs في هذا الفيلم ليستمتع بالرموز الخفية فيه.

بواسطة | 2017-07-13T22:03:07+00:00 يوليو 13th, 2017|مقالات الأفلام, أفلام|لاتوجد تعليقات

اترك تعليق