نظرة على التألق المجنون! (تحليل سينمائي)

بقلم:

أنه ليس فيلم مرعب؛ أنه الفيلم الأكثر رعباً” – القناة رقم 4 في بريطانيا

أحد أكثر الافلام رعباً في تاريخ السينما” – المخرج مارتن سكورسيزي

هذا الفيلم يقع ضمن أكثر خمس أفلام رعباً في السينما” – مجلة Total Film

 

تمهيد

“جاك تورانس” كاتب روائي أمريكي عاطل ومدمن كحول، تم عرض عليه وظيفة غريبة بعض الشئ ولكنه قبلها لأنه ظن أنها ستساعده مادياً ومعنوياً. الوظيفة كانت الإشراف على أحد الفنادق التي تُغلق تماماً في مواسم الشتاء.

فكر فيها جاك:” سأكون مع عائلتي ولمدة ثلاث أشهر لوحدنا تماماً، العائد المادي مجزي فعلاً وايضاً هناك البيئة المناسبة لإكمال روايتي.”

  وبالفعل انتقلت العائلة إلى فندق أوفر لوك في كولورادو، فندق كبير هو، ومنعزل عن ما حوله إذ أن أقرب مكان مأهول بالسكان يبعد عنه 25 ميل. عند وصوله إلى الفندق تقابل جاك مع ديك هالوران المسؤول عن الفندق والذي أعطى جاك نبذة بسيطة عن بعض الأمور وبعدها تعرف على عائلة جاك، زوجته ويندي وابنه الصغير داني . وخلال هذا التعارف عرف جاك عن المأساة التي حصلت للحارس من قبله، الحارس المدعو تشارلز جرادي وكيف قام بعزل نفسه وعائلته في الفندق بعدها قام بقتلهم ثم انتحر.

 

 

 

هذا بالطبع هو الهيكل الاساسي لرواية سطوع أو The Shining والتي صدرت عام 1977 لكاتبها ستيفن كينج Stephen King. الرواية الكابوسية التي نجحت بشكل ساحق وأسست اسم كينج ككاتب كابوسي فريد من نوعه. نجاح الرواية الباهر أدى بطبيعة الحال إلى شد انتباه “أهل السينما” وكان أن تقدم أحد أشهر مخرجي هولييود آنذاك وصاحب اللمسة المعقدة في أفلامه لتجسيد هذه الرواية على الشاشة الفضية ألا وهو “ستانلي كيوبريك Stanley Kubrick”.

 

 

وبدأ الفيلم:

نعود لجاك بطل الفيلم حيث نراه عندما تسلم زمام الأمور وأعتقد أن وضعه استقر حتى أنفتحت عليه ابواب الجحيم، إذ اتضح أن الفندق له تاريخ طويل ملئ بالغموض والجرائم مما جعله مرتع لأرواح تائهة والتي حاولت التأثير على داني الصغير، ابن جاك والذي نعرف من ضمن سياق الفيلم ان الطفل يتمتع بقدرة خارقة أو ما يمكن تسميته بالـ “حاسة السادسة.” حيث أنه يستطيع التخاطب عن بعد، يرى الموتى ويرى الأشباح ويرى لمحات من المستقبل في أحيان قليلة.

 

 

تورانس… نيكلسون

جاك نيكلسون كان اختياري الأول” يقول الراحل ستانلي كيوبريك ، “ومن ضمن الاختيارات كان روبروت دينرو، روبن ويليامز وهاريسون فورد. لكن جميعهم لم يحصلوا على تأييد من ستيفن كينج.”

جاك نيكلسون… ماذا نقول عنه وماذا لا نقول!

الرجل أبدع أيما إبداع بإداء قل ما تجد مثيله حتى يومنا هذا. إذ انغمس نيكلسون في التمثيل لدرجة أن أداءه أصبح أيقوني ويُضرب به المثل في كيفية الاتقان. “طلبت منه أن يقوم بدور رجل مجنون يحاول أن يبقى عاقلاً“، هذا كانت توجيهات كيوبريك لنيكلسون، بالطبع نيكلسون أخذ كلام المخرج حرفياً بل وأضاف عليه لمسة تصاعد الجنون! حيث نراه في الفيلم شيئاً فشيئاً يُظهر لنا الوجه المجنون ويقاتل لإخفاءه لصالح الوجه العاقل في أداء قل ما تجد له مثيل. ولأن الشخصية مطلوب منها أن تظهر أمام الكاميرا بوجه منتفخ وذات ملامح متعبة ومنهارة كان نيكلسون ينام بين المشاهد لفترات بسيطة وعلى الأرض وبعدها يستيقظ ويؤدي دوره بالشكل المطلوب فعلياً شكلاً وجسماً. حتى في مشاهد الحركة أبدع وبالذات في مشاهد القتال وحمل الفأس لدرجة أن أحد مشاهد الفيلم ألا وهو كسر الباب بفأس أصبح أحد المشاهد التعريفية لدى السينما الامريكية. وبالطبع لا ننسى الجملة الساحقة الشهرة ألا وهي “Here’s Johnny!” والتي أصبحت شهيرة جداً لدرجة تم تقليدها في مئات الأعمال من سينما وتفاز ومسرح وألعاب فيديو. الجملة من ابتكار جاك نيكلسون وهو من اقترح طريقة أداءها ووافق عليها كيوبريك. الجدير بالذكر أن الجملة مستوحاة من برنامج حوارات شهير يدعى The Tonight Show Starring Johnny Carson.

 

وما زالت المشاهدة جارية 

  • جاك تورانس، الأب المكلوم الذي شفي مؤخراً من إدمان الكحول قرر أن يبدأ صفحة جديدة من حياته مع زوجته وابنه، زوجته التي كان يضربها وهو مخمور وابنه الذي ضربه في أحد الأيام بشدة مما تسبب في خلع كتفه. عليه عزم جاك أن تكون حياته الجديدة مختلفة تماماً ولكن حظه التعس رماه في هذا الفندق بالذات؛ الفندق الذي نعرف أنه تم بناؤه على انقاض مقبرة للمواطنين الأصليين أو ما نعرفهم باسم الهنود الحمر
  • داني وخوفاً من أبيه قرر أن يتماسك ويتجاهل تأثيرات الفندق المسكونة الأمر الذي جعل الأرواح تقلب محاولات التأثير على أبوه جاك. وفي نفس الوقت عقد الولد الصغير صداقة مع ديك هالوران، المسؤول عن الفندق كما ذكرنا والذي نعرف أنه أيضاً يتمتع بحاسة سادسة مثل داني. هالوران حذر داني من أن الفندق ما هو في الأساس إلا كيان شرير، وحذره بشدة من الاقتراب من الغرفة رقم 237.

 

 

 

كيوبريك

كل من شارك في الفيلم حكى أنه عانى الأمرين بسبب المخرج، إذ أن كيوبريك كان يغير سيناريو الفيلم بشكل دائم. بل قيل عنه أنه كان يغير السيناريو بشكل يومي! هذا غير اصراره على استخدام تقنية تصوير حديثة آنذاك ألا وهي الكاميرات الثابتة والتي لم تكن معتادة للممثلين.

أضف لهذا فلسفته في جعل الفيلم طويل بسبب عناده في تصوير كل أجزاء الفندق الشبه فارغة لقناعته الخاصة أنه هذا سيجعل المشاهد يخاف أكثر مما يندمج في الفيلم. حيث قام كيوبريك بانشاء ديكور خاص ومكلف في وقته لكي يتسنى له تجسيد رؤيته في اخراج الفيلم. والحق يقال أنه نجح في ذلك؛ حيث أن التصوير جعل المشاهد يمشي مع الكاميرا ويتجول في أنحاء الفندق مع الممثلين في بيئة هادئة لا تسمع فيها سوى صوت خطوات الأقدام متبوعاً بصوت صرير الأرضية الخشبية. كيوبريك ذهب أبعد من ذلك في خطوة جريئة ذاك الوقت؛ إذ أن الطفل الصغير الذي لعب دور داني لم يكن على علم بالقصة إطلاقاً! إنما طلب منه كيوبريك أن “يمثل” أنه “محتار ومرتبك” طوال الوقت أمام الكامير والسبب في ذلك لجعل الصغير يتقن أداء من لديه حاسة سادسة وفي نفس الوقت لا يعلم مدى أهميتها ونرى ذلك جلياً في المشهد الشهير عندما يقابل داني الصغير الفتاتين التوائم؛ إذ بدا فعلاً أنه مستغرب وجودهم أكثر من أنه خائف من وجودهم. أما بالنسبة لمشهد الأم وهي تحمل الصغير معها وتركض وسط الثلوج كانت تحمل دمية بنفس حجم الطفل. وبالحديث عن الثلج؛ وبسبب صعوبة التصوير فيه قرر كيوبريك أن يصنع ثلج مزيف مصنوع من البلاستيك وحتى هذا كان صعب على نيكلسون أن يركض فيه وهو يحمل فأس حقيقي لذا تم استبداله بفأس بلاستيكي. والعبقرية تكمن أنه لم يلاحظ أحد هذه التزييف حتى تكلم عنها الممثلين لاحقاً. انتاج الفيلم استغرق ما يقارب الثلاث سنوات استنزفت الكثير من كيوبريك، إذ فعلاً أضاف لمساته الخاصة؛ وهذا ما استنتجه العديد من المختصين السينمائين والتاريخين عند تحليل الفيلم حيث وجدوا أن كيوبريك وضع الكثير من الرسائل المخفية التي كانت مرتبطة بآراءه الشخصية من ضمن طيات الفيلم، مثل عدم تصديقه بحكاية الهبوط على القمر، قضية حرق اليهود أو الـ هولوكاست إبان الحرب العالمية الثانية، التحرش بالأطفال وقضية إبادة الهنود الحمر. كل هذا سلط الأضواء على الفيلم وجعل منه أيقونة سينمائية ليست مرعبة ولكن كمدرسة في انتاج فلسفة خاصة قائمة على رواية ناجحة متشابهة شكلاً ومغايرة إلى حدٍ ما مضموناً.

 

الكابوس

الأشباح والأرواح أصبحت تحوم في المكان وبلا هوادة، الأب جاك واضح أنه بدا يعاني ضغط نفسي كبير لدرجة الصراخ وهو نائم، وحدث أنه تقابل مع شبح أبوه وشبح أمه والشبح المسؤول عن حانة المشروبات وبسببه عاد لإدمانه للكحول، الأم أصبحت قلقة على عائلتها وحاولت اقناع زوجها بالرحيل ولكن رفض هذا الأخير جعلها تقرر أن تتركه وترحل مع ابنها. وكل هذا وداني الصغير كانت تزداد عليه الضغوط من أرواح الموتى وبالذات من التوأم بنات تشارلز جرادي ومنهم عرف الكثير عن هذا الفندق

 

التوأم الشهير

أحد أشهر الأيقونات في سينما الرعب، هم في القصة بنات تشارلز جرادي، قُتلوا على يد ابوهم في لحظة جنون. كيوبريك أبدع معهن، إذ كانت البداية بكيفية التقاء داني معهم. حيث جعل المشهد يبدأ بداني الصغير يقود دراجته متجولاً بين ممرات الفندق بينما الكاميرا تتبعه من الخلف لثوان الهدف منها جعل المشاهد يترقب مالذي سيحدث بعدها حيث نراقب داني يتخطى ممر طويل ويدخل ممر أضيق ويمشي حتى نرى ما يراه داني! طفلتان توأم تبعثان القشعريرة!

هم ليسوا بتوأم!” يقولها ستيفن كينج، “عندما كتبت الرواية ذكرت أن أعمارهم كانت بالتريب عشر وثمان سنين.” كيوبريك أرتأى ولإضافة لمسة الرعب ومتأثراً بصور المصورة الشهيرة آنذاك “دينا آربوس” والتي تخصصت في تصوير التوأم المتطابقين. كيوبريك قابل المصورة وتعلم منها ثم قلد طريقتها ولكن بأسلوبه الخاص و “الملحوس” إذ أضاف فلاشات ضوئية في وسط مشاهد التوأم؛ تارة هن واقفات وتارة هن على الأرض مضرجات بالدماء. الطريف أن الفتاتين في الفيلم كانوا توأم حقيقي ومتطابق. الطريف في الموضوع أن التوأم مثلهم مثل العديد من الأشياء الأخرى بالفيلم تم تقليدهم في مئات الأعمال السينمائية والتلفزيونية وألعاب الفيديو.

 

نقاط على الحروف

أي نعم الرواية جاهزة، وأي نعم كانت  تحوي العديد من العناصر والتميمات أو Themes، لكن كيوبريك كان يعلم أن الشاشة الفضية مختلفة تماماً عن الورق. لذا أعاد صياغة كل العوامل المبنية عليها الرواية ويبدو أن هذا سبب تغييره الدائم للسيناريو. والنتيجة فيلم قدم تماماً الرعب في كل عامل:

  • العائلة:

عائلة يائسة هي، أب فقير معدم ومدمن للكحول، زوجة تتمنى الخلاص من زوجها، طفل صغير لم يرى والديه سعداء أبداً. وفي محاولة جادة وأخيرة لإصلاح الاوضاع الأسرية، يلقي بهم الحظ في أتعس مكان من شأنه أن ينبش الماضي ويدمر المستقبل؛ في فندق Overlook المسكون.

  • العنف:

جاك عاش طفولة سيئة تعذب فيها على يد والده بشتى أنواع الضرب وشهد أبوه يقتل أمه ضرباً حتى الموت وعانى الأمرين بسبب إخوانه من أبيه. ووقت رغبته لإصلاح حياته الاسرية وعدم تكرار ماضيه وجد نفسه في مكان عنيف يشجع جاك المجنون أن يظهر بكل بشاعة ليدمر حياة أسرته.

  • الحواس الخارقة:

داني يمتلك حاسة خارقة، ولكنه في الفيلم لا ينتهي به المطاف بأن يساعد أبويه، إنما عليه أن ينقذ نفسه من صراع داخلي متضارب لدرجة قد تستولي القدرة على صاحبها وتتحكم فيه.

  • الغرف المسكونة

في الرواية الأصلية كان رقم الغرفة هو 217، بينما في الفيلم تغير الرقم إلى الغرفة 237، والذي أصبح فيما بعد الرقم المثالي للغرف المسكونة؛ لدرجة أنه يوجد بعض الفنادق في أمريكا لا تستخدم هذا الرقم في فنادقها. وهناك قصة شهيرة لستيفين كينج عن غرفة مسكونة رقمها 1408 والتي تحولت إلى فيلم سينمائي. الطريف في الموضوع  أنه في وقت تصوير بعض مشاهد الفيلم التي استدعت أن تكون في أحد الفنادق، وخوفاً من الدعاية السلبية أخبر مالك الفندق المخرج كيوبريك أن يغير رقم الغرفة إلى 237 بدلاً من 217 وذلك تحسباً لعزوف الناس عن هذه الغرفة. حيث أن هذا الفندق لا توجد به غرفة تحمل الرقم 237. الجدير بالذكر أن الناس بعد قراءة الرواية وقتها كانوا يطلبون الغرفة 217 بينما بعد الفيلم أصبحوا يتجنبون الغرفة 237!

  • المبنى المسكون

أحد أشهر ثيمات قصص الرعب هو المبنى المسكون. في فيلمنا هذا نجد أن الفندق يسيطر بشكل أو بأخر على تحركات وقرارات جاك نحو عائلته ويعرف أن ابن داني الصغير يملك قدرة التألق لذا يحاول – الفندق وليس داني – السيطرة عليه بجعله يرى كل محاولات القتل التي حدثت في الفندق في الماضي بينما داني الصغير يحارب وكله أمل أن أسرته ستجتاز هذه الأزمة. وبما أن أغلب قصص المباني المسكونة تكون مبنية على أن المبنى في القصة له تاريخ شنيع وغالباً ما يكون دموي نعرف أن أحد أبناء مؤسسي الفندق قُتل في أثناء بناء الفندق. وهناك أحد أحفاد المؤسس قتل نفسه بوضع أصبعه في مجرى التيار الكهربائي، وهناك زوجة أحد الاحفاد التي ماتت بسبب نزلة برد بسيطة بدون تفسير. كل هذا أعطى للفندق – في زعم الرواية – قوة نفسية خارقة جعلت منه كيان شرير له القدرة على التحكم في هذه القوى ضد النزلاء.

 

ستانلي كيوبريك قدم العوامل أعلاه بشكل ممتاز في الفيلم، لكن أراد أن يقدم بصمته الخاصة وذلك بتقديم عوامل جديدة متناسياً وجود الرواية. هذا الأمر أغضب ستيفن كينج لكن في النهاية اتفق الطرفان لفترة وجيزة، وسنعرف رأي كينج في بعد، حيث سنتطرق للعوامل التي أضافها كيوبريك في الفيلم وللأسف يبدو أنه لم تُفلح في مساعي نجاحه:

  • التعرض العرقي للهنود الحمر:

يصور لنا كيوبريك في الفيلم العديد من الاثار والتحف والأعمال الفنية النابعة من ثقافة الهنود الحمر والتي نراها موزعة في أرجاء الفندق. هذا الأمر تم تفسيره على أن كيوبريك يتطرق لقضية التفاخر بقتل الهنود الحمر والاستيلاء على أرضهم حيث أن الفيلم زعم أن الفندق مبني على مقبرة للهنود الحمر وهو الغير مذكور في الرواية. ومع أنه لم يتم تصوير أي هندي أحمر في الفيلم ولكن مشاهد القتل في الفيلم بالإضافة إلى الدماء كلها كانت تحوي رمزيات تؤيد هذه النظرية وبقوة.

  • الرعب ضد الاشباح والجنون

الرواية في الأساس تطرح وتحكي عن الرعب البحت المؤدي للجنون. كيوبريك أراد أن يكون الفيلم أعمق من الرواية التي كان التركيز فيها على داني الصغير لذا تجاهل الطفل وركز على تصاعد حالة الجنون لدى جاك والذي أبدع نيكلسون في تجسيدها. هذا جعل بعض النقاد يقولوا أن كيوبريك لم يقدم فيلم إنما قدم حالة دراسة مفيدة للأطباء النفسيين تتمثل في شخص ذو ماضي مشين وطفولة شيئة وما زال يعاني من علل نفسية عقلية أتيحت له الطروف لتصحيح حياته وتربية ابنه بالشكل السليم عكس طفولته، لذا أراد أن يلعب دور الرجل العاقل لكن الفراغ المطبق الذي عاشه في مكان كبير بلا بشر أدى إلى نمو شعور الشك والخوف، هذا الأمر أدى إلى البطل أن يصارع عقله للعودة إلى الحياة التي يعتقد انها سعيدة وبالتالي كان لقمة سائغة للأشباح المطالبين “بإعادته لهم” وعليه سهلوا له طريق العودة للكحول والقتل. والنتيجة كانت عرض حالة ممتازة أثنى عليها المختصين في الطب النفسي قبل النقاد السينمائيين.

 

وماذا عن الملك ستيفين

كاتب الرواية الأصلي ستيفين كينج لم تعجبه النتيجة النهائية للفيلم، ومع أنه كيويريك صنع فيلم خالد في الذاكرة ولكنه – كينج لا كيوبريك – اعتبره اقتباس ضعيف جداً من الرواية.

كينج الذي كان مدمن للكحول وقت كتابة الرواية وعانى الأمرين بسبب إدمانه نجح في تجسيد معاناة مدمن الكحول عبر شخصية جاك في الرواية. والحق يقال أن نيكلسون بدوره نجح في نقل المشاعر من الورق إلى الواقع. وبالحديث عن الرواية يقول لنا كاتبها كيف ولدت في رأسه:

تخيل انك في مكان كبير وواسع مليئ بالغرف … لنقل فندق مثلاً . ألا تعتقد أن هذا سيلهب خيالك إلى درجة الخوف! ”

هذا ما قاله كينج لناشره حين سلمه الرواية، وللإنصاف نقول ان الحق معه. فندق كبير وخالي من الناس تسير فيه لوحدك عالم تماماً أن هذا سيقودك إلى الجنون ومع هذا وافق بطل قصة سطوع جاك تورنس أن يقبل هكذا وضع بل اصطحب مع زوجته وابنه الوحيد! ويكمل كينج حديثه لنا:

ما حدث أنه في عيد الهالويين قررنا أنا وزوجتي تابيثا وأطفالي أن نقضي بضعة أيام في أحد الفنادق، وبالفعل أستأجرنا فندق في كولورادو. تفاجأنا أن الفندق كان خالي من الزبائن باستثناء عائلتي. وفي أول ليلة لنا تناولت طعام العشاء أنا وزوجتي لوحدنا في ردهة الفندق الكبيرة بينما باقي الطاولات حولنا كانت كراسيها مقلوبة على سحطها. بعدها قررت تابيثا أن تذهب للنوم وتركتني وحيداً في ردهة الفندق بينما الموسيقى الكلاسيكية تدوي من حولي . قررت أن أتمشى قليلاً في الفندق إلى أن وصلت إلى الحانة وهناك جلست بعض الشئ أحادث الساقي حتى حان الوقت حينها انصرفت إلى غرفتي وكانت تحمل الرقم 217 وما أن أندسست تحت الغطاء حتى كان الكتاب كله في رأسي

 

REDRUM !

الكلمة التي انتشرت واشتهرت لدرجة أصبحت مرادف للقتل. من عادات ستيفن كينج في مؤلفاته أن يتلاعب بالكلمات، Redrum هي عكس كلمة MURDER ومعناها جريمة قتل. الكلمة أصبحت مرجع ثقافي وإشارة لجرائم القتل ذات الطابع المخيف. ومن شهرتها أن هناك أغان وحلقات ضمن مسلسلات تلفزيونية وروايات قصيرة وألعاب فيديو كلها تشير بشكل مباشر إلى كلمةREDRUM . والغريب أن هذه أولى محاولات كينج للتلاعب في الكلمات ومع أنه كررها كثيراً في رواياته لكن لم تنجح أي محاولة في حصد النجاح الذي نالته هذه الكلمة.

في الفيلم تم ذكرها تماماً كما في الرواية، حيث داني الصغير رأى غرفة حمراء ضمن لمحات المستقبل ومن خوفه الشديد وبطفولة بحتة صرخ غرفة حمراء RED ROOM ولكن بشكل عكسي والتي تُنطق REDRUM، داني ومن كثرة معاناته من الهواجيس التي يرى فيها أشباح الموتى أصبح يصاب بالصرع كثير ويكتب في كل مكان وعلى الجدران والأبواب كلمة REDRUM

 

  • ما بعد العاصفة

الفيلم ينتهي نهاية مأساوية كابوسية، جاك أطلق العنان لجنونه وتحول إلى قاتل متعطش للدماء، ابنه داني أصبح يعاني من كثرة الهواجيس التي يرى فيها أشباح الموتى، ديك هالوران المسؤول عن الفندق دخل في عراك دموي مع جاك انتهى نهاية صادمة، كل هذا بينما الأم تحاول الهرب هي وابنها بعد أن أيقنت أن زوجها أصبح مخبول بشكل رسمي؛ زوجها الذي أصبح الان يطارها في كل مكان حاملاً فأسا يريد قتها، وتستمر المطاردة حتى وصلت الزوجة إلى أحد الغرف وحبست نفسها فيها ثم تسمرت! إذ رأت على الباب مكتوب كلمة REDRUM؛ الكلمة التي كتبها ابنها داني في كل مكان وفي نفس الوقت رأتها بشكل معكوس عبر مرآة دورة المياه وعرفت وقتها أن المقصود كان في الأساس كلمة MURDER…

أي قتل!

بعدها نرى أحد أهم المشاهد الأيقونية في تاريخ السينما ألا وهو كسر الباب بالفأس على يد جاك تورانس / نيكلسون وفي الثانية التالية نرى جاك يطل برأسه عبر الجزء المكسور من الباب ويصرخ ” هنااااا جوني! Here’s Johnny!” والتي أصبحت عبارة خالدة في تاريخ الأعمال الفنية. وتستمر المطارة بين أفراد العائلة وتنتقل إلى الخارج حيث الثلوج تحيطهم في كل مكان وهناك تنتهي هذه المأساة الكابوسية.

النهاية الجدلية:

هنا افترق الفيلم عن الرواية، حيث أن الرواية تنتهي بموت جاك متجمداً وسط الثلوج، في الفيلم يواجه نفس المصير لكن ما يحدث أن المخرج ينتقل بنا إلى داخل الفندق وتحديداً إلى أحد جدران الفندق حيث نرى صورة لجمع من الناس ووسطهم يقف جاك تورانس مبتسماً. الصدمة هنا أن تاريخ الصورة يعود إلى عام 1921 م بينما أحداث الفيلم تقع في السبعينات!

ما أردنا توصيله هنا للمشاهدين أن جاك ما هو إلا تجسيد لروح أحد حراس الفندق السابقين والذين كان لهم تاريخ دموي، وايضاً نوضح أن الفندق سيظل يستدعي أرواح حراسه التائهة للعودة للفندق، ولن يحرس الفندق إلا شخصُ يعرفه” هذا ما قاله المخرج العبقري كيوبريك.

 

بعد العرض

الفيلم تم عرضه في صيف 1980م ولم يتجح وقت عرضه، حتى إيراداته لم تصل للمأمول منها. وأنتهى به المطاف بكونه ناجح بشكل مقبول تجارياً. ولم يترشح لأي جوائز معروفة عكس أفلام كيوبريك الأخرى، بل أنه ترشح لجائزة أسوء مخرج وأسوء ممثلة. لكن بالمقابل تم الثناء على طريقة التصوير الجديدة آنذاك وعلى الديكورات وبالطبع أداء جاك نيكلسون نال نصيب الأسد من الثناء. إذن… كيف أصبح الفيلم مدرسة سينمائية؟ مالذي تغير؟

 

بعد العرض – 2

ما حدث أنه في عام 1987م، ووقت النجاح الساحق لفيلم Full Metal Jacket لستانلي كيوبريك، وفي مقابلة معه تم سؤاله كيف عاد للنجاح بعد السقطة المريعة في فيلم The Shining؟

كيوبريك دافع عن الفيلم وقال أن النقاد والمشاهدين لم يعطوه حقه ولم يروه بالشكل المطلوب. هذا التصريح دعا نفس النقاد ممن انتقدوا الفيلم في السابق وغيرهم لإعادة النظر في الفيلم وكانت المفاجأة أن رأيهم تغير!

وربما يعود هذا الأمر لأسباب التالية، أن الذائقة السينمائية تطورت، قلة الأفلام السينمائية المتقنة حيث الثمانينات هي منجم خصب للأفلام الرخيصة (بمعنى أنه كان وضع مشابه إلى حدٍ ما بوضعنا الآن)، اسم ستانلي كيوبريك في الأوساط السينمائية واسم ستيفن كينج في الأوساط الأدبية. هذا كله كان في عقل النقاد حين أعادوا تقييم الفيلم، وبالتالي كتبوا نقدهم بثناء عالي ما أدى إلى إنبعاث الفيلم من الرماد والإقبال الشديد عليه من المشاهدين الذين رأوا في الفيلم أنه “تحفة فنية مرعبة وكلاسيكية”. ومن نافلة القول نذكر أن تقييم الفيلم في المواقع السينمائية المختصة لا يقل عن 8/10.

الفيلم أسس لنفسه ما يشبه المرجعية الخاصة في الثقافة الشعبية أو ما يسمى بـ Cult، حيث تم التطرق له في أغلب الأعمال الأدبية والترفيهية سواء موسيقى، أفلام سينمائية وتلفزيونية، ألعاب الفيديو وحتى ألعاب الطاولة والورق.

ومن نافلة القول أن الجامعات والمدارس المتخصصة في تدريس السينما يعتبرون هذا الفيلم من الأساسيات في التدريس، حتى كُتاب الأدب المتخصون في الرعب النفسي يرجعون للفيلم وليس للرواية.

وحتى يومنا هذا ما زال للفيلم دارسون ومراجعون يحللون الفيلم ويكتبون عنه النظريات والتفسيرات وقاموا بانتاج عدة أفلام وثائقية عنه وبلغات عديدة – ولا يوجد منها بالعربي؛ مثل الرواية الأصلية التي لم تٌترجم- كلها لدراسة وشرح الفيلم.

وأخيراً نقول أنه توجد دراسة أُجريت في عام 2011 وكانت نتيجتها أن غالبية المشاركين فيها لا يعملون بوجود الرواية وإنما يعرفون الفيلم فقط.

 

بواسطة | 2017-08-22T15:47:49+00:00 أغسطس 22nd, 2017|مقالات الأفلام, أفلام|لاتوجد تعليقات

اترك تعليق