عن منزل آل هيل نحكي

بقلم:

 

 

قالوا عنه:

“عمل قريب من العبقرية” – الكاتب العملاق ستيفن كينج
“يستحق المشاهدة.” – بودكاست كشكول مسلسلات 162
“مسلسل مفاجئ ورائع” – سعد الصفيان [email protected]
“ممتاز جداً!” – كاتب هذه السطور.

هذا العام، وتحديداً في شهر أكتوبر الماضي والمعروف عنه أنه شهر الخوف والرعب، فاجأتنا شبكة نت فيلكس بمسلسل جديد ألا وهو “The Haunting of Hill House أو بيت آل هيل المسكون“.
مسلسل من الوهلة الأولى ومن الصورة التعريفية له أو الـ Poster تعتقد أنه تقليدي يتحدث عن البيوت المسكونة حيث الكثير من القتل والدماء واستمرار موت أبطال العمل لدرجة لا يبقى أحد سوى المخرج فقط خلف الكامير. لحسن الحظ خابت الإعتقادات وخرجنا بمسلسل متقن للغاية ومحبوك بإمتياز ويؤكد لنا أنه لا زال هناك أعمال مخيفة رائعة. وأقول مخيفة لأن مسلسلنا هذا يُصنف كمخيف وليس مرعب.

خوف و رعب

هناك فرق بين الرعب والخوف، فرق جوهري، وفي هذا الصدد يقول الكاتب الشهير الروسي “فيودر ديستوفسكي Fyodor Dostoevsky”:

عندما يقرأ القاضي بيان الإعدام للمتهم فإن هذا الأخير يعيش الخوف كاملاً إلى أخر حرف في البيان على أمل أن يتم إنقاذه أو إعفاءه في أخر لحظة، إذ أنه ما زال يسمع بيان إعدامه وفي نفس الوقت يجهل مصيره. على العكس تماماً حين ينتهي القاضي من قراءة البيان ويرى المتهم الجلاد متجه إليه لتنفيذ حكم الإعدام هنا فقط يتحول الخوف إلى رعب!”

بمعنى آخر، الخوف مرتبط بالمجهول مع فزع وترقب، عكس الرعب الذي يٌعرف سببه. بصرف النظر أن ديستوفسكي لم يكتب في أدب الرعب ولكن مثاله ممتاز ويوصل الفكرة. ولهذا قلت عن مسلسلنا أنه مخيف، مخيف جداً وليس مرعب.

المسلسل

من انتاج نت فيلكس، ومقتبس بتصرف من رواية شهيرة بنفس الاسم للكاتبة الأمريكية “شيرلي جاكسون.” ويحكي عن أسرة أمريكية تقليدية، أب وأم لديهم خمس أطفال ينتقلوا لبيت قديم شبه نائي لغرض السكن فيه في فترة الصيف مع عمل بعض الإصلاحات عليه ومن ثم بيعه. كان هذا هو عمل الأب والأم؛ إذ كانت وظيفتهم كمهندسي ديكور تتلخص في شراء البيوت القديمة وإعادة ترميمها ومن ثم بيعها. وشاءت بهم الأقدار ان يشتروا بيت “آل هيل” القديم و…الصامد.

وحين بدت الأمور أنها تسير على ما يرام وأن الغد سيكون أجمل كشر المنزل عن أبوابه القديمة وأزال اللون الوردي من الجدران وحدد ضحاياه.

بيت… مسكون

تميمة أو Theme البيوت المسكونة هي أكثر التميمات شهرة وشعبية بين كتاب أدب الرعب، الآف القصص والروايات المكتوبة كتبت عن هذه التميمة ناهيك عن الأعمال الأخرى من مسرح، إذاعة، سينما، تلفزيون وحتى ألعاب فيديو.
التميمة هذه قديمة قدم التاريخ نفسه، إذ أن هناك قصص في هذا الصدد مسجلة من قبل ميلاد المسيح. ولكن أول قصة مؤرخة في هذا المجال كانت للمؤرخ الأنجليزي هوراس والبول بعنوان قلعة أوترانتو عام 1764، ومن بعده لاقت هذه التميمة اهتمام، حتى جاء العبقري الأمريكي إدجار آلان بو Edgar Alaan Poe وكتب قصته القصيرة الشهيرة “سقوط منزل آشر” عام 1845 ومن بعدها أصبحت هذه التميمة محبوبة بين الكتاب ووجدت اهتمام بالغ بين القراء مع قصة “بيت آل هيل المسكون The Haunting of Hill House ” للكاتبة شيرلي جاسكون، ثم وجدت أوجها – التميمية وليس الكاتبة – في الرواية الكابوسية “سطوع The Shining” للعملاق الغني عن التعريف ستيفن كينج.

 

شيرلي جاكسون

 

أمريكية هي، اختصت بقصص الرعب والغموض، لها ما يزيد عن الـ 200 قصة قصيرة وست روايات. أدبها كان له الفضل في إيحاء العديد من الكتاب أشهرهم: ستيفن كينج و نيل جايمان. روايتها بيت آل هيل المسكون كانت نقطة تحول ومنعطف في هذا النوع من الأدب، الرواية منشورة عام 1959م وتحكي عن خمسة أفراد يقررون السكن في بيت معروف عنه أنه مسكون وذلك لغرض دراسة الأمور الخارقة التي يحكي الناس عنها والتي تحدث في هذا البيت. الرواية مليئة بالأحداث الشيقة والتي تتجسد في الخوف العارم الذي يغلف مشاعر أبطال الرواية بسبب المجهول الذي يواجهونه، تتصاعد أحداث الرواية حتى تصل لمرحلة الذروة في نهاية ممتازة لائقة بقصة عن بيت مسكون.
الرواية تعتبر من أفضل ما قدم أدب الرعب، بل أن بعض المختصين يصنفونها كأكثر قصة مرعبة بعد قصة “مخلب القرد” للإنجليزي ويليام جاكوب. الجدير بالذكر أن الرواية اقتبست في العديد من الأعمال سواءً بشكل دقيق أو بتصرف حتى جاء مسلسلنا.

 

 

البداية
لن نتحدث عن الإخراج، الأداء، التصوير أو حتى الموسيقى. ومن أراد معرفة المزيد في هذا الصدد فعليه الرجوع للحلقة 162 من بودكاست كشكول مسلسلات، إذ فصل الأعضاء الكرام هذه النقاط بشكل شامل. سيكون حديثنا عن ما وراء هذا المسلسل، وما هي العناصر التي تجمعت وحُيكت بشكل متناسق ليظهر لنا هذا العمل الرائع. وأولها كان في صنع التاريخ للمنزل؛ إذ من خلال أحداث المسلسل نعرف أن البيت تعرض في السابق لحوادث جعلت قواه تستيقظ، لكن الاستيقاظ كان ضعيف، وعليه قرر أن يقف على قواعده أن صح التعبير.

كل بيت مسكون يجب ان يكون له خلفية جعلته بهذا لشكل.”

هذا ما يقوله مايك فلنجان مبتكر ومخرج المسلسل.
وفي هذا هو اتبع السنة في كتابة هذه القصص، ولم يختلف عنهم، على سبيل المثال لا الحصر،

منزل آل آشر في قصة “بو” لم يكن سوى مقبرة لعائلة آشر،
مدينة التل الصامت أو سايلنت هيل كانت مبنية على أرض مقدسة تابعة للهنود الحمر.

نعود لمسلسلنا في حال نسيتم، إذ قرر “فلنجان” أن يتميز قليلاً عن القصة الأصلية ويخلط العديد من تميمات البيوت المسكونة ويصب النتيجة في عمله، ويبدو أنه نجح في إيجاد الخلطة المناسبة، إذ جعل البيت يملك قدرة نفسية هائلة، قدرة لا تفسير لها لكنها في نفس الوقت تؤثر على ساكني المنزل، قدرة يستمد قوتها من التغذية على الأحياء بجعلهم يقتلون بعض وينتحرون فيه، قدرة عجيبة لها عدة صفات:

1. إيقاظ القدرات النفسية الخارقة الخاملة لدى البشر وتقويتها.
2. قدرة يستطيع من خلالها تجسيد ذنوب الأشخاص ومعاصيهم في أشكل أشباح تطارد ساكني المنزل.
3. إعادة النداء للهاربين من المنزل، وهذا يذكرني بمدينة التل الصامت Silent Hill في سلسلة الألعاب الشهيرة بنفس الاسم، حيث في الجزء الثاني نعرف أن المدينة تنادي كل المذنبين لكي يواجهوا آثامهم في مواجهة غالباً تكون الأخيرة .
4. تجسيد الأشباح على شكل أماني ساكني المنزل.
5. التنقل في الزمن بشكل عشوائي.
6. تجسيد هلاوس ساكني المنزل.
7. وأخيراً وليس آخراً ملجأ أبدي للموتى.

بالطبع، غني عن التعريف أن هناك اقتباس واضح من قصة “سطوع The Shining” حيث أن أحداث هذه الأخيرة تقع في فندق مسكون له ذات الصفات.

منزل آل هيل يرحب بـ آل كرين

وصلوا آل كرين، وفي المنزل نزلوا، واعجبهم وبه استقروا. رجل وزوجته وخمسة أطفال، صبيان وثلاث بنات. مرت بهم الأيام وهم لا يشعرون بأي أمر مريب حتى جأت تلك الليلة العاصِفة، ليلة استيقظ فيها المنزل بعد أن اكتشف ضحايا جدد، ليلة عاصِفة أوقظت حواس خارقة خاملة لدى العائلة. وكانت البداية مع الأم، أوليفيا، والتي كانت تعاني من صداع نصفي لا تعرف له سبب، ولحقها الفتاة الوسطى والصغرى الذين بدورهم بدأوا يشعروا بتغيرات لا يعرفون لها سبب.
زادت التغيرات وأضحت القدرات النفسية أوضح وبدأت تستيقظ ،وبدا واضحاً أنها جعلت المنزل يصبح أقوى إذ بدأ يمارس ألاعيبه القاسية على العائلة المنكوبة ووصلت للذروة في ليلة معينة فيها حدث شرخ للعائلة وحدث مفصلي في حياتهم، حدث كان قبله الماضي المطلوب نسيانه وبعده المستقبل المفترض أنه وردي.

 

المستقبل

في رأيي أن عبقرية المسلسل تكمن في السرد السلس بين الماضي والحاضر، إذ لا يوجد أي إزعاج في التنقل بين الأزمنة لتجميع أطراف الصورة النهائية. في البداية نعرف أن الأخ الأكبر أصبح كاتب قصص رعب مشهور، بقية الأخوة يعانوا في حياتهم اليومية بشكل طبيعي، ويبدو أن حياتهم ستستمر بهذه الوتيرة لكن المنزل لم ينسى، المنزل اعتبرهم هاربين وعليه قرر أن يناديهم.

“تميمة العودة للشئ محبوبة جداً لدى كتاب الرعب، وربما تنافس تميمة البيوت المسكونة”

يقول لنا ستيفن كينج. وبالفعل، من قرأ قصته “الشئ IT” أو رأى الفيلم الممتاز سيعرف ما يقصد، ذكرى الطفولة المريرة التي تطارد الصبية حتى كبروا وقرروا مواجهة النداء والعودة لمواجهة المهرج.
في مسلسلنا نفس التميمة تتطبق، المنزل قرر أن يناديهم، قرر أن يوقظ حواسهم الخارقة التي خملت مع الوقت. قرر أن يعيد ذكرى تلك الليلة العاصفة و… يبدو أنه نجح.
إذ نرى التغيرات وبلا سابق إنذار تعصف بالأخوة الخمسة و…
لنتوقف قليلاً، ونترك الجانب الأدبي ونتحدث وبدون خوض في التفاصيل بالجانب الدرامي، المسلسل من عشرة حلقات، الخمسة الأولى منها تحكي ذكرى الليلة العاصفة من منظور الأخوة، ابتداءً من الأخ الأكبر حتى الأخت الصغيرة، وفيها نعرف ما رأوا، وما شعروا به وما مروا به وحتى ما يخافوا منه. وهنا الذكاء في السرد!
إذ نعرف ذنوب كل شخص منهم، وكيف أن المنزل جسدها لهم، نعرف قدراتهم الخارقة، وكيف استغلها المنزل لصالحه، نعرف امانيهم والتي عرفها المنزل بدوره وايضاً استغلها لكي يناديهم.

الغرفة الحمراء

لكل منزل أسرار، ولكل منزل قاطنيه الذين لديهم أسرار سواءً كانوا أخيار أو أشرار، ومنزلنا لديه سر يكمن في غرفة حمراء.
هي مجرد تذكير بالكلمة الشهيرة Redrum المذكور في رواية “السطوع”، حيث كانت المقصود بها في الرواية هي الغرفة الحمراء، لكن الطفل الصغير جاك في الرواية كتبها بهذا الشكل” هذا ما قاله فلنجان مبتكر المسلسل، ونجح في صنع غرفته الحمراء في منزل آل هيل، غرفة كانت بمثابة اللغز الذي لعب كُتاب المسلسل على وتر الغموض والتشويق فيما يتعلق به، والحق أنه نجحوا في ذلك إذ أن غموض هذه الغرفة لا ينكشف في الأخير مثل الأعمال الأخرى؛ إنما يرمي لك المسلسل تلميحات طيلة الحلقات وبشكل محبوك في النهاية لتجد نفسك أيها المشاهد لا شعورياً تجمع أطراف اللغز الذي يكون حله الأخير بيد المنزل لا بيد أبطال المسلسل. من لعب الجزء الثاني من السلسلة الأيقونية Silent Hill سيجد تشابه كبير في طريقة كشف المستور بين الغرفة والمدينة، لغز كان أمامنا حله طيلة الوقت ومع ذلك كنا نحتاج ذاك الشخص ليقول لنا: هذا هو! ومرة أخرى نجحوا طاقم المسلسل في ذلك وببراعة.

ختاماً

نادراً ما نجد عمل فني مخيف يخلب الألياب، وقلت أنه مخيف وليس مرعب لأنه لا يحمل في طياته أي رعب معوي؛ ذلك الرعب المتعلق بالقتل والدماء وتناثر الأشلاء، إنما يتضمن في أغلب أوقاته خوف من شئ لا معلوم يطارد أناس لا تعلم عنه شيئاً وأنت بدورك لا تعلم عنهم شئ، تدريجياً تعرف من هم أولئك الناس لكنك لا تزال متسمر أمام الشاشة مشحون بالتوتر وعيناك فيها ترقب وتشع بالفضول لمعرفة كيف سينتهي مصير هؤلاء الناس لتكون الخاتمة لحظة مفزعة مخيفة من اللامكان بسببها يتلاشى الفضول ويبدأ الهدوء المخيف الذي يحمل معه إزعاج وقلق.
هذا هو ما جاء به مسلسلنا وقدمه ببراعة.
أضف لهذا قصة محبوكة بإمتياز مقتبسة بتصرف من رواية عظيمة وتمثيل كان جيد جداً، واللمسة الأخيرة تكمن في أمور مستحيل يلحظها المشاهد من أول مرة ولكن بعد معرفتها ومن ثم رؤيتها ستجد نفسك أمام عمل ممتاز، وأول لمسة غابت عن ذهن الكثيرين – وأولهم كاتب هذه السطور – هو أن الأخت الكبرى اسمها شيرلي؛ وما هو إلا مجرد تحية للكاتبة شيرلي جاكسون.

By |2018-12-03T17:13:25+00:00ديسمبر 3rd, 2018|مقالات مسلسلات, مسلسلات|0 Comments

Leave A Comment