أخر ابناء كريبتون… قلة من يعرفه

بقلم:

ثمانون عاماً هو عمر أشهر شخصية في عالم القصص المصورة،

ثمانون عاماً مضت على ولادة أحد أشهر رموز كوكب الأرض،

وهنا نستعرض ما يعرفه القليل عن سوبرمان.

منذ ثمانين عام، وتحديداً في عام 1938، وللتحديد أكثر نقول في شهر يونيو، وللمزيد من التحديد والدقة نقول أنه ومن خلال مجلة قصص مصورة تدعى  Action Comics، تعرف العالم على أشهر بطل خارق على الاطلاق والنواة لما سيكون ثورة في عالم الترفيه وشرارة النجاح لما سيعرف بعد ذلك بالأبطال الخارقون أو ما سيعرف عالمياُ بـالـ Superheroes  ألا وهو الرجل الخارق سوبرمان Superman.

بداية البداية 

بداية نشوء هذه الشخصية الخارقة كانت مع مبتكريها؛ الكاتب جيري سيجال Jerry Siegel والرسام جو شوستر Joe Shuster. الاثنان كانا أصدقاء منذ مرحلة الدراسة الثانوية وكلاهما أبناء مهاجرين يهود.

متى كانت البداية؟

كانت في بدايات الثلاثينات من القرن الماضي، وذلك عندما قرر هذا الثنائي اقتحام مجال القصص المصورة وكلهم حماس خصوصاً مع ما بدا في ذاك الوقت أنها الثورة لهذا الفن. أضف لهذا شغفهم بأعمال أحد أهم كُتاب القصص المصورة ألا وهو العبقري جاك كيربي Jack Kirby. كانت أول محطات رحلتهم مع القصص المصورة عام 1933 ، إذ أنتج الثنائي أول قصصهم المصورة، وكانت قصة قصيرة تم نشرها في مجلة اسمها Fanzine وهي مجلة غير ربحية وكانت – القصة – عن رجل شرير أصلع يملك قوى التحكم عن بعد وينوي السيطرة على العالم تحت مسمى

عهد الرجل الخارق The Reign of the Superman

وبما أننا ذكرنا أن أنتاجهم كان في عام 1933، حُري بنا أن نذكر أن أمريكا كانت آنذاك ما تزال تتعافى من أثر فترة الكساد الاقتصادي العظيم في البلاد، وكان كلٌ من سيجال وشوستر يعاني الأمرين بسبب الفقر، الأمر الذي دعا أن يحاول الثنائي بيع انتاجاتهم الأدبية وبأي مقابل للعديد من دور النشر ولكن كل أعمالهم قوبلت بالرفض.وكانت النتيجة أنهم لم ينشروا سوى قصة واحدة ولم يربحوا منها.

غلاف قصة عهد الرجل الخارق

هنا قرر الثنائي أن عليهم العمل على قصة جديدة كلياً على الساحة لعل وعسى أن تلاقي قبول لدى أحد الناشرين. وبالفعل، بدأوا يسطرون الخطوط العريضة للقصة الجديدة وفي نفس الوقت لم يغب عن البال عنوان قصتهم القديمة؛ سوبرمان. وما حدث أنه ولدت القصة وولد سوبرمان وتمخضت قريحتهم عن أولى مغامرات الرجل الخارق، ولكن وفي خلال الأربع سنوات التالية كانوا يبحثون عن ناشر لها ولم يحالفهم الحظ.

حتى جاء العام 1938،

الشهر يونيو،

الحدث: ظهور العدد الأول من مجلة القصص المصورة Action Comics ويظهر على غلافها رسم لرجل مفتول العضلات ذو وشاح أحمر وعلى صدره حرف (S) بارز ويحمل سيارة ويهشمها على صخرة كبيرة بينما العامة يهربون مذعورين.

الغلاف في حد ذاته كان آنذاك لافت للأنظار، ويمثل كل مقومات البطل الخارق. بدايةً من تصميم الشخصية، الوشاح الأحمر، القوة في حمل السيارة وانتهاءً بتهشيمها ببساطة. وما أن قرأ العامة القصة حتى انبهروا بالفكرة الجديدة الثورية آنذاك؛ الفكرة التي قدمت لهم بطل خارق يعيش بين البشر له شخصية سرية عادية خجولة بعض الشيء. والذي لم يعرفه القراء – آنذاك –  أن هذه القصة كانت بمثابة شهادة ميلاد لموجة اكتسحت عوالم الترفيه وما تزال مكتسحة؛ موجة القصص المصورة.

منذ بداية العمل على فكرة سوبرمان كان يراودنا شعور أننا نقوم بعمل مختلف، عمل حتماً من شأنه خطف قلوب الناس من البداية“  جيري سيجال

فكرة العدد الأول من القصة المصورة تتحدث عن كوكب في الفضاء البعيد يدعى “كريبتون Krypton” وحيث أن سكان هذا كوكب وصلوا مراحل تقنية متقدمة استنفدت جميع موارد الكوكب لدرجة هددته بالانفجار، وهو الأمر الذي عرفه أحد أفضل علماء كوكب كريبتون ألا وهو “جور آل Jor-El” وعليه قام وحذر قادة الكوكب بهذا الأمر ولكن لم يستمع له أحد. فقرر هو وزوجته “لارا Lara” بإرسال ابنهم الوحيد ”كال – إل Kal-El” على متن مكوك فضائي إلى كوكب الأرض حيث كان يعلم أن الشمس الصفراء القريبة من هذا الكوكب تعطي قوة خارقة لا تقهر لسكان كريبتون.

وبالفعل، تم إرسال “كال – إل” الصغير إلى الأرض وبعدها تدمر كوكب كريبتون عن بكرة أبيه.

ما حدث أن المخلوق الكريبتوني الصغير حط بسلام على كوكب الأرض في أحد ضواحي الولايات المتحدة حيث وجده المزارع جوناثان كِنت وزوجته مارثا كِنت وقرروا تبني الطفل وتسميته كلارك… كلارك كنت.

الفكرة قد تبدو سطحية ولكن كما أسلفنا؛ في وقتها كانت ثورية وبسببها نجحت القصة ونجحت الشخصية وانتشرت بين العامة وأحبها الجميع وتوالت القصص والأعداد وبطبيعة الحال عرف الناس اسم سيجال وشوستر وصاروا من المشاهير.

الجميع يعرف أصل سوبرمان وكيف ظهر وقصصه وأصدقاءه وأعداءه وغيرهم، وفي الحقيقة لن نضيف أي شيء هنا بذكر ما هو موجود في أي موقع يتحدث عن هذه الشخصية التي خلبت لب الناس وأصبح لها جمهور عريض في جميع أنحاء المعمورة وأسسوا فيما بينهم نوادي عشق لابن كريبتون،  والتي بدورها أسست من وراءها سلسلة لا نهائية امتدت حتى يومنا هذا من الأبطال الخارقين المقنعين. ولم ينتهي الحد عند القصص المصورة فقط، إنما شمل الاذاعة والتلفزيون والسينما والألعاب وألعاب الفيديو ليثبت سوبرمان ومن بعده أن القصص المصورة أكثر من مجرد رسم بل هي – كما قال الراحل العظيم الكاتب أحمد خالد توفيق – منتج أدبي رفيع يقع في منطقة وسيطة بين الرواية المكتوبة والسينما.

وعليه أعتقد اننا لا نضيف في مقالنا شيء عن سوبرمان ولكننا سنحكي عن…

ولماذا سوبرمان؟

وهو السؤال الذي تم سؤاله لسيجال وشوستر في منتصف القرن الماضي. وكانت الاجابة هي نفسها المعروفة للجميع؛ لأنه رجل خارق. ولكن هل المصطلح كان متداول قبل هذه الشخصية أم هم أصحاب الفضل في ابتكاره؟

 لا! ليس نحن من ابتكرناه – هكذا كان جواب الثنائي.

مصطلح Superman  أو الرجل الخارق كانت بداياته في عشرينات القرن الماضي، وهو وصف للرجل ذو القوة الخارقة. اشتهر المصطلح أكثر على يد الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه Friedrich Nietzsche  وصاحب التأثير البالغ على عدة تيارات فكرية فلسفية وسياسية. في روايته الفلسفية “هكذا تكلم زرادشت” والمنشورة عام 1891 كتب نيتشه عن الـ Übermensch وهي لفظة ألمانية معناها الرجل الخارق أو الـ سوبرمان.

نيتشه كتب عن المصطلح من منظور فلسفي بحت وفيه يقول أن البشر توقفوا عن التطور وعليهم أن يبحثوا عن الخطوة القادمة للتفوق ألا وهي الوصول لمرحلة التفوق المطلق بأن يكون هناك “سوبرمان” بشري.

سوبرمان… تاريخياً

نعود لسيجال وشستر، حيث أن الثنائي لم ينسوا أول انتاجاتهم ألا وهي قصة “عهد الرجل الخارق”، وما أعادها بقوة لذاكرتهم أنه كانت في تلك الأثناء بوادر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق. وبين الفينة والأخرى تخرج تصاريح من الرايخ الثالث الألماني بمقولات تتشدق بعظمة النازية وتستشهد بأقوال من “نيتشه” وعن عظمة الألمان وأنهم الجنس الآري المتفوق والمنتظر وفيهم الرجال الخارقين وغيره من التمجيد. كل هذا الخلط السياسي أشعل قريحة الثنائي ليخرجوا لنا بعمل أدبي جسد حلم النازيين نحو البشري الخارق.

ايضاً لم ينسى الثنائي فترة الكساد الاقتصادي العظيم والتي كان لها انعكاس في أوائل قصص سوبرمان، حيث كان بطلنا وبشخصية كلارك كنت الصحفي الخجول يلعب دور الناشط الاجتماعي المحارب للفساد وللتجار الجشعين. هذا ما هو إلا انعكاس لتجسيد حلم البشر نحو رجل نزيه يحارب الفساد المتمثل في رجال الأعمال الجشعين.

طبعاً؛ ومع الصدى الايجابي للتطرق للقضايا الاجتماعية، قام الثنائي بإضافة أمور أخرى حاربها كلارك كنت الصحفي وكانت مثار جدل في التاريخ الأمريكي. مثال ذلك جعلوا كلارك كنت يشن هجوم صحفي على جماعة عنصرية ذات مبادئ شبيهة بالمنظمة العنصرية “كو كلوكس كلان” أو ما يعرف بـ KKK.

سوبرمان… اجتماعياً

كل من سيجال وشوستر كان خجولاً للغاية، ولم يختلطوا مع الكثير من أقرانهم في المرحلة الدراسية.

لم نكون البتة من الطلاب المحبوبين ولم نكن نجالسهم أساساً”  والكلام لسيجال، “كان لدينا شعور أننا منبوذون. الطلاب يتهكمون علينا بسبب أجسادنا الهزيلة، ويضحكون حين يروننا نتكلم عن القصص المصورة وعن حبنا لشخصية طرازان.”

أما شوستر فيقول: “كنا نخجل من الفتيات، وفي المرحلة الجامعية كنا نشعر بالغيرة من طلاب الجامعة مفتولي العضلات الذين يشاركون بدوري كرة القدم في الجامعة وفي نفس الوقت يكونوا محور أحاديث فتيات الجامعة. كنا لا نقوى على الكلام أمامهم فما بالك بالتحدث معهن“.

هذا الشعور بالنقص ولد طاقة خيالية لدى الثنائي اعترفوا بعدها انها ساعدتهم في تجسيد أمانيهم على شكل قصة مصورة لبطل خارق لا يقهر. أي أن سوبرمان قد يكون نتاج عقدة النقص التي عانى منها مبتكريه. من قرأ قصص سوبرمان سيعرف أن هناك تصوير لحالة هذا الثنائي حيث نجد أن كلارك كنت هو الصحفي الخجول أو ما يسمى في باللغة الانجليزية بـ Nerd والذي لا يستطيع الكلام بشجاعة أمام الجمهور وغريب الطباع إلى حدٍ ما، وفي نفس الوقت هو يعشق زميلته في العمل الصحفية “لويس لاين”. بينما الوجه الاخر من العملة هو الرجل الخارق، هو سوبرمان؛ منقذ البشرية وحامي كوكب الأرض وفي نفس الوقت تهيم به لويس لاين حباً.

سوبرمان… أدبياً

يعترف الثنائي أنهم من فئة ما يدعى بالـ Nerds !

قد لا توجد لفظة عربية دقيقة تكون مرادفة لهذه الكلمة ولكن نستطيع القول أنهم كانوا غير اجتماعيين، أذكياء ومهووسين بقصص وروايات الخيال العملي وبالقصص المصورة وبالذات شخصية طرزان.

يقول سيجال:نحن من عشاق أعمال الكاتب إدغار باوروس وبالذات شخصية طرزان، ونعترف أن قصة جون كارتر في كوكب مارس كانت أحد الركائز التي أوحت لنا بشخصية سوبرمان“.

إدغار رايس باوروس Edgar Rice Burroughs  هو كاتب أمريكي ومبتكر شخصية طرزان الشهيرة وصاحب قصة John Carter of Mars والتي يمكن ترجمتها بـ  “مغامرات جون كارتر في مارس“. وهي قصة أحداثها تدور عن غريب يدعى جون كارتر حل في كوكب مارس وأصبح أقوى من سكان الكوكب المحليين حيث أن طبيعة كوكب مارس أعطت كارتر هذه القوة الخارقة وهي إلي حد كبير مشابهة لفكرة “كال-إل” وشمس الأرض الصفراء.

هناك نقطة أخرى قد تكون أقرب للجانب النفسي؛ الثنائي قام بابتكار شخصية لها جانب خارق جريء، وجانب ذو شخصية خجولة ضعيفة لا تستطيع مواجهة الجمهور. هناك العديد من النقاد لاحظوا أن الثنائي قام لا شعورياً بإعادة صياغة قصة الأديب الاسكتلندي العظيم روبرت لويس ستيفنسون “الحالة العجيبة للدكتور جيكل والسيد هايد  Strange Case of Dr Jekyll and Mr Hyde” بشكلٍ ما. حيث قصة الكاتب الاسكتلندي كانت عن رجل له شخصيتان الأولى طبيب معروف والثانية مجرم قاتل.

الثنائي سيجال وشوستر قام بعمل مشابه في الفكرة ولكنه ابتعد عن السوداوية وأعطى من غير قصد جرعة عمق نفسي في تركيب الشخصية حيث جعلوها شخصية فضائية ذات شخصيتان؛ الأولى بشرية – كلارك كنت الصحفي- التي تتظاهر بالعجز والخجل وفي نفس الوقت يرى عجز البشر من حوله ويسمع عن أحلامهم في امتلاك القوة والحلم بالطيران ومع ذلك يكتم امتلاكه لهذه القدرات. بينما الثانية – سوبرمان – لديها هذه المقومات ولكن لا تستطيع إظهارها عن طريق الشخصية الأولى وعليه لابد من الظهور بشخصية أخرى. هذه المعادلة أصبحت الأساس لتركيبة نفسية أدبية غنية حيث جعل الشخصية الثانية حبيسة للأولى وبالمقابل جعل الأولى تتظاهر بالحلم بالثانية.

كُتاب السلسلة لم تدع الفرصة تفوتهم إنما استغلوا هذا التركيب النفسي لكتابة  سلسلة مغامرات رائعة عن قصص يتحارب فيها سوبرمان ضد كلارك كنت، وهذا الصراع تم نقله للسينما في الجزء الثالث من افلام سوبرمان عام 1983.

سوبرمان… دينياً

نأتي لأهم نقاط الجدل حول هذه الشخصية الأسطورية ألا وهو: ما هي ديانة  سوبرمان؟

سيجال وشوستر قالوا في عدة لقاءات أن سوبرمان شخصية من كوكب آخر، وعليه هو لا يعتنق أي ديانة معروفة سواءً سماوية أو وضعية. لكن عشاق السلسلة والنقاد والكُتاب استنتجوا نظرية بخصوص هذه النقطة وكانت مصادرهم القصص المصورة، المسلسلات الكرتونية والتلفزيونية والتي كانت من كتابة الثنائي. النظرية قوبلت بعدم التأكيد من الثنائي. وقبل البدء في استباق الأحداث دعونا نستعرض النظرية التي تنص على:

اسم سوبرمان هو “كال-إل” وباللغة الإنجليزية  Kal-El ، لفظ El معناها بالعبرية النسب إلى الله. بينما الشق الأخر من الاسم هو Kal حيث أن أحد التراجم للفظة كال بالعبرية تأني بمعنى (صوت) والتي تؤدي في النهاية إلى أن معنى الاسم هو “صوت الله”.

الأن نأتي للب النظرية:

  1. من المعروف في الاسلام ان سيدنا موسى ملقب بـ “كليم الله”. في اليهودية سيدنا موسى عليه السلام ملقب بـ “صوت الله”. اسم سوبرمان “Kal-El” والذي يمكن ترجمته من العبرية بـ “صوت الله”. شوستر رسام الشخصية اعترف بشكل غير مباشر بتشابه قصة الطفل “كال-إل  “Kal-El بقصة “مشهورة في التوراة”.
  2. الان ننتقل لقصة قديمة معروفة ومثبتة في جميع الأديان. سيدنا موسى عليه السلام وعند ولادته وخوفاً على حياته قامت أمه بوضعه في سلة مصنوعة من الخوص (وهو الأمر المذكور في التوراة) وفي تابوت (وهو الأمر المذكور في القرآن الكريم) وألقته في اليم إلى قدر لا يعلم مصيره سوى الله عز وجل حتى تلقفته أحد خادمات زوجة فرعون مصر “آسيا” وبعدها ربته هذه الأخيرة في بيت غريب عن موطنه تماماً. في قصة سوبرمان؛ هو مجرد طفل رضيع وخوفاً على حياته قام أبواه بوضعه في مكوك فضائي وإرساله في الفضاء السرمدي لمصير غير معلوم حتى تبناه أبوين مزارعين في كوكب غريب تماماً. قبل الخوض أكثر في النظرية أود التنويه أن كاتب هذه السطور ليس من مؤيدي هذه النظرية سواءً كانت صحيحة أم لا ولكنها فقط للسرد.
  3. النازيون هم أول من بدأ الادعاءات بكون شخصية سوبرمان ذات أصول يهودية وذلك عام 1940م. وأول من رفض هذه الادعاءات وبشكل حاد جداً كان الثنائي سيجال وشوستر. البعض عزا هذا الإنكار الحاد ما هو إلا صحة ادعاء النازيين وبالتالي عزز قوة النظرية.
  4. سيجال وشوستر وضعوا معايير لشخصيتهم الخارقة تتمثل في: (الحقيقة، العدالة والطريقة الأمريكية). من ضمن التعاليم اليهودية في كتاب التلمود والمسماة بـ Mishnaic هناك معايير وضعها الكتاب وهي: (الحقيقة، السلام والعدالة)
  5. شخصياً أنا أتفهم التأثير اليهودي في شخصية سوبرمان، ابتداءً من مبتكريه ذوي الأصول اليهودية والذين ترعرعوا في أحياء يهودية بحتة وتأثروا بكُتاب وفنانين يهود وعليه وبطبيعة الحال سينتقل جزء من تراثهم وشخصياتهم لإنتاجاتهم الأدبية. لكن الانكار الشديد من الثنائي كان محل جدل حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي حين اعترف الاثنان في أحد اللقاءات أن “تراثهم الديني” كان له تأثير كبير على أعمالهم الأدبية

مرة أخرى؛ السطور أعلاه ليس لإثبات أو نفي إنما هي مجرد تسليط ضوء على شخصية ساحقة الشهرة من جوانب شتى. وبشكل عام هذا الشيء لا يمنع من الاعجاب بهذه الشخصية. ونذكر هنا أن لعبة الفيديو الملحمية Final Fantasy 7 كانت مليئة بالرموز العبرانية ومع ذلك هذا الشيء لم يمنع روعتها.

سوبرمان… تجارياً

عند ظهوره لأول مرة عام 1938، عرف الجميع أن هذه الشخصية ستكون منجم ذهب ومعين أموال لا ينضب. وتهافتت دور النشر لشراء حقوق الشخصية وأصبح الكل يحاول الوصول للثنائي سيجال وشوستر. ولكن وبما أن شركة نشر القصص المصورة Detective Comics أو ما يعرف حالياً بـ DC Comics  كانت قد امتلكت الحقوق من الثنائي عليه امتلكت حقوق الاسم.

ما حدث بعدها أن صحت توقعات الجميع وانفجرت مبيعات السلسلة لدرجة سمحت لشركة DC أن تتوسع وتنتج سلاسل أخرى. وبالمقابل كان الثنائي سيجال وشوستر يتقاضون راتب فقط نظير أعمالهم. والحق يقال أنهم ظُلموا كثيراً ولم يستفيدوا ذلك الشيء الكثير من جراء ابتكارهم.

  • في عام 1945 قام الثنائي بابتكار شخصية خارقة اخرى تقع من ضمن عوالم سوبرمان ألا وهي الفتى الخارق أو Super Boy
  • في عام 1947 قام الثنائي بمقاضاة الشركة بسبب تعدي الناشر على حقوق شخصية Super boy بدون الرجوع للثنائي المبتكر مما صعد الموضوع للمحاكم التي أقرت بتعويض المبتكرين مادياً.
  • في عام 1969 تم رفع قضية جديدة ضد DC يطالبون فيها الثنائي بحقوق شخصية سوبرمان خاصة مع المدخولات المادية العالية التي أصبحت الشركة الناشرة تجنيها من أعمال هذه الشخصية، ولكن تم رفض الدعوى.
  • عام 1975 قام سيجال بحملة اضراب هو وزملاءه من الكًتاب والرسامين العاملين في شركة DC للمطالبة بحقوق مالية أكثر وذلك بسبب زيادة المدخولات من وراء مبيعات القصص المصورة والأعمال المقتبسة منها وبالمقابل لا يستفيد العاملين على القصص المصورة سوى راتب فقط. الشركة المالكة آنذاك كانت Warner Bros والتي اشترت شركة DC قامت بعمل مساواة مع الثنائي المبتكر بإعطائهم راتب أعلى، تأمين طبي وذكر اسمهم كمبتكري للسلسلة في أي عمل لأي شخصية من ابتكارهم.
  • في عام 1992 توفي جو شوستر. وعلى الفور قامت شركة DC بتأمين راتب سنوي ثابت للورثة نظير عدم المطالبة بحقوق الاسم، وتم قبول العرض من قبل ورثة شوستر.
  • عام 1996 توفي جيري سيجال. حاول ورثته القيام بمطالبة في المحاكم للحصول على حق الاسم، لكن شركة DC قامت بعمل اتفاق يقتضي صرف مبلغ لم يتم إعلانه بالضبط ولكن يقال أنه “بضعة ملايين” من الدولارات بالإضافة لراتب سنوي يقدر بنصف مليون دولار وذلك لضمان عدم المطالبة بحقوق الشخصية، ووافق ورثة سيجال على العرض.

الجدير بالذكر أن بوب كين Bob Kane مبتكر شخصية باتمان Batman تعلم الدرس وأمن لنفسه حقوق مالية ضخمة من وراء شخصية باتمان عكس الثنائي سيجال وشوستر.

سوبرمان… عربياً

عام 1963 تنبت دار نشر لبنانية اسمها “دار المطبوعات المصورة” ترجمة أشهر سلاسل القصص المصورة مثل سوبرمان وباتمان وفلاش Flash والفانوس الأخضر Green Lantern ورابطة العدالة أو Justice League .

في النسخة العربية تم تعريب القصص وليس ترجمتها لتتناسب مع الذوق العربي آنذاك. إذ أصبح “كلارك كنت” في النسخة العربية هو “نبيل فوزي”. ولكس لوثر أصبح “صلاح” بينما لويس لاين أصبحت “رندا”.

  • في أواخر السبعينات تولت دار نشر مصرية هذه المرة واسمها “دار روايات الجيب” نشر القصص مع الترجمة والتزمت بالاحتفاظ بالأسماء بدلاً من تعريبها.
  • في أوائل الالفية تولت “دار نهضة مصر” نشر السلاسل لفترة مؤقتة لتتوقف بعدها.
  • في أواخر الالفية تولت دار النشر الكويتية “تشكيل كوميكس” ترجمة بعض سلاسل من شركة DC ومن شركة مارفل Marvel ولكنها لم تستمر وبعدها للأسف توقفت النسخة العربية من هذه السلاسل.

أنه طائر… أنها طائرة… أنه

الملهم. سمه ما شئت، سوبرمان / كلارك كنت / كال – إل، كلها أسماء لشخصية أُوجدت لنفسها مكانة خاصة عند البشر أجمعين. هو أول شخصية خارقة تظهر في القصص المصورة والممهد لما بعده من شخصيات خارقة. أيضاً هناك البساطة في طرح الشخصية بلا تعقيدات سوداوية كما هو الحال مع شخصية باتمان، بالإضافة إلى التمسك بالمثاليات التي كانت مقدسة إلى حد كبير وقت ظهور الشخصية. أضف لهذا تجسيد حلم البشر الأزلي في القوة الخارقة والطيران، وأخيراً السبب المقنع البسيط في قوته الخارقة والتي سببها أنه كائن فضائي؛ كل هذا الخليط جعل من الشخصية محبوبة جداً ومستساغة للعامة آنذاك مما جعلها الواجهة لشركة DC بل أصبح مصطلح سوبرمان هو المرادف للقوة وعمل المستحيل. أي نعم هو شخصية خيالية ولكنها ألهمت البشر وستظل تلهمهم لوقت طويل. وأي نعم يُعتبر رمز أمريكي أو “إمبريالي” ولكن هذا لا يمنع أن شعبيته وصلت وغطت أرجاء المعمورة.

مِن بعد سوبرمان

بطبيعة الحال، تم انتاج العديد من الاعمال الفنية (شملت روايات – سينما – تلفزيون – ألعاب فيديو – مسرح – رسوم متحركة – موسيقى – أغاني ) المقتبسة من هذه الشخصية. ولم يقتصر الموضوع على ذلك فقط؛ إنما تعداه ليصل لمرحلة اقتباس الاسم أو مقولات الشخصية في العديد من الأعمال الغير متعلقة بالقصص المصورة أساساً. وأمسى الأمر إلى تعدي الشخصية واقتباساتها ليصبح لديها إرث في الوجدان الشعبي.

نبدأ بالشخصية نفسها والتي ألهمت أشخاص كُثر وأعمال فنية كذلك مثال ذلك:

  • الملاكم الشهير الراحل محمد علي كلاي، من أشد المعجبين المهووسين بشخصية سوبرمان، لدرجة يحكى عنه أنه كان في أحد الرحلات بالطائرة ولم يربط حزام الأمان، فما كان من المضيفة ألا أن نبهته بذلك، رد عليها كلاي قائلاً: “سوبرمان لا يحتاج لربط حزام الأمان” فأجابته المضيفة فوراً: “سوبرمان لا يحتاج لطائرة!” عام 1987 تم نشر عدد خاص من قصص سوبرمان تدور أحداثه في مباراة ملاكمة بين سوبرمان ومحمد علي كلاي

  • جيري ساينفيلد Jerry Seinfeld بطل المسلسل الكوميدي الشهير ساينفيلد Seinfeld والذي يصنف أنه أفضل مسلسل كوميدي على الاطلاق يُعتبر من أشد عشاق شخصية سوبرمان. لدرجة أن هناك حلقات كثيرة جداً من المسلسل يتم فيها التطرق لسوبرمان. بل هناك حلقات كاملة من المسلسل تم كتابتها بناءً على خلفية عوالم سوبرمان.

  • حتى عوالم سوبرمان نالها من الشهرة جانب وأصبحت مفردات هذا العالم متداولة بشكل دارج بين العامة. هناك مصطلحالكريبتونيتوهو المعدن المشع من كوكب كريبتون والذي أصبح بمثابة مرادف لنقطة الضعف. وهناك أيضاً الشرير الأول في قصص سوبرمان ألا وهو لكس لوثر Lex Luther والذي أصبح المرادف للأشخاص الصُلع ذوي الافكار الشريرة بعض الأحيان. أيضاً هناك المصطلح الشعبي في اللغة الانجليزيةبيزارو أو Bizarroوالتي تعني الشيء المناقض للمنطق وهو أساساً شخصية شريرة من قصص سوبرمان شبيهة ببطلنا ولكنها مناقضة له في كل شيء.
  • في الموسيقى؛ أضحت التميمة أو Theme الموسيقي لسوبرمان مرادف للبطولة. الموسيقى التي صاغها أحد أفضل موسيقاري هوليوود ألا وهو العبقري جون ويليامز John Williams والتي أصبحت في حد ذاتها إلهام للشجاعة والبطولة.

وأخيراً؛ هناك الجواب الشائع لكل شخص يُطلب منه عمل المستحيل إذ يكون الرد: “أنا لست سوبرمان!”

By |2018-06-26T20:44:42+03:00يونيو 26th, 2018|مقالات الأفلام, أفلام|0 Comments

Leave A Comment